يتعامل هيو كنيدي مع الجيش الشامي والجيش العراقي في العصر الأموي بوصفهما منطقين تنظيميين متمايزين. فالحكم الأموي، كما يلاحظ، كان قائما على الجيش الشامي، وحين تفكك هذا الجيش انهار النظام. والملفت في المصادر أن هذه القوة لم تسم قط «الجيش الأموي» ولا جيش مدينة بعينها ولا جيش مجموعة قبلية، بل ظلت دائما «أهل الشام»، وهو الاسم الذي استعمله الحجاج نفسه حين حشدهم في مواجهة الخارجي شبيب عند الكوفة، ويضيف كنيدي أننا في تلك الواقعة لا نعرف حتى من أي قبائل كان رجاله. وحين دعي الحصين بن نمير، قائد القوات الشامية المرسلة ضد ابن الزبير سنة 64/684، إلى مبايعته، وافق بشرط أن ينتقل ابن الزبير إلى الشام؛ فلما رفض ابن الزبير، عاد الحصين بجيشه إلى الشام وبايع الأمويين، إذ كان مراده خلافة شامية، وهوية الخليفة اعتبار ثانوي. والشام نفسها كانت مقسمة إلى مناطق عسكرية تسمى الأجناد (واللفظ يدل أيضا على الجند المرابطين في كل منطقة). تنسب الرواية الإسلامية تأسيسها إلى عمر، غير أن كنيدي يلاحظ أنه «أقيمت حجة مقنعة» على أن الأجناد كانت تكييفا لقيادات الـ duces البيزنطيين الذين خدم تحتهم كثير من العرب زمن الفتوح. والأجناد الأربعة الأصلية هي دمشق والأردن (ومركزه طبرية) وفلسطين (القدس وعسقلان) وحمص؛ ثم فصل يزيد الأول (60-4/680-3) قنسرين عن حمص، وفصل عبد الملك لاحقا الجزيرة عن قنسرين. وحسب البلاذري، كان الجند المستقرون في كل جند يأخذون عطاءهم من خراج تلك المنطقة، والأرقام التي حفظها اليعقوبي في القرن الثالث/التاسع (دمشق 300,000 دينار، فلسطين 300,000، حمص 200,000، الأردن 100,000) تعكس على الأرجح الأحجام النسبية للجيوش التي كانت تعيلها.

أما في العراق فكانت الأداة المنظمة من نوع آخر. فدواوين الكوفة والبصرة، التي يرى كنيدي أنها كتبت بالعربية منذ البداية على الأرجح، كانت تسجل المقاتلة وأعطياتهم، ويعاد ضبط قوائمها كلما حشدت القبائل؛ ففي سنة 37/657-8 أمر علي أشراف الكوفة بإعداد قوائم جديدة لكل رجال كل قبيلة مع أبنائهم البالغين ومواليهم وعبيدهم. وفي شرح المنطق التشغيلي يعتمد كنيدي على الرواية المطولة في «أنساب الأشراف» للبلاذري عن ولاية زياد بن أبي سفيان (45-53/665-673)، وفيها خبر منقول عن المدائني: من نحو ستين مليون درهم جبيت من البصرة، ذهب ستة وثلاثون مليونا إلى أعطية المقاتلة وستة عشر مليونا إلى نفقات أولادهم، ومليونان لكل من نفقات الحكومة واحتياط بيت المال، ولم يرسل إلى معاوية سوى أربعة ملايين؛ وأرقام الكوفة كانت من الرتبة نفسها. وهذه الأرقام، كما يحذر، «أرقام مدورة جرت صياغتها بنحو تخطيطي»، ومدى مطابقة الرواية للواقع يبقى ظنيا، لكن المعنى واضح: الجزء الأعظم من الإيرادات المجباة كان موجها للتوزيع على مسلمي الكوفة والبصرة. فائدة


المصدر: Hugh Kennedy — The Armies of the Caliphs: Military and Society in the Early Islamic State

الكيانات: هيو كنيدي · أهل الشام · الأمويون · الحجاج بن يوسف الثقفي · شبيب بن يزيد الشيباني · الكوفة · الحصين بن نمير · عبد الله بن الزبير · الشام · الجند · عمر بن الخطاب · دمشق · الأردن · طبرية · فلسطين · القدس · عسقلان · حمص · يزيد بن معاوية · قنسرين · الجزيرة · عبد الملك بن مروان · محمد بن مروان · البلاذري · اليعقوبي · ديوان الجند · المقاتلة · البصرة · العراق · علي بن أبي طالب · موالي · زياد بن أبي سفيان · المدائني · أنساب الأشراف · معاوية بن أبي سفيان