سعى مارك هابر وزملاؤه إلى تتبع التاريخ الجيني للشرق الأدنى عبر أربعة آلاف سنة، فحللوا جينومات قديمة لأفراد دُفنوا في بيروت، فخرجوا بصورة تصف عموم السكان لا الأفراد، وتكمل المصادر التاريخية التي لم تسجل في الغالب الا اخبار النخبة. فمع ان المنطقة تعاقب على حكمها الفرس والإغريق والرومان والصليبيون والمماليك والعثمانيون، ما زال سكان الشرق الأدنى اليوم يستمدون نحو 90% من أصولهم من سكان العصر البرونزي المحليين الذين سبقوا هذه الغزوات جميعا.
يرى هابر أن الغزو ترك آثارا ثقافية عميقة، لكنه نادرا ما ترك أثرا جينيا. فعلى مدى أربعة آلاف سنة لم يخلّف سوى ثلاثة أحداث اختلاط محدودة أثرا يمكن رصده على المستوى السكاني. أولها في العصر الحديدي نحو 1000 ق.م، حين امتزجت أصول أناضولية وأخرى أوروبية جنوب-شرقية بالسكان المحليين. وثانيها مع وصول الإسكندر الأكبر نحو 330 ق.م، إذ التقت أصول آسيوية بأخرى من الشرق الأدنى، على نحو يوازي الامتزاج الثقافي الذي طبع تلك الحقبة. وثالثها في العهد العثماني منذ 1516 م، الذي جلب أصولا قوقازية. أما الرومان، فرغم حكمهم الذي امتد نحو ستة قرون، فلم يتركوا أثرا جينيا يذكر.
وليس معنى هذه النسبة ان احدا لم يفد الى المنطقة قط. فالوافدون والعائلات المختلطة وجدوا بلا شك: ففي ظل حكم الفرس كان في بيروت القديمة عائلة ضمت أفرادا من أصل مصري-لبناني مختلط، وفي زمن الصليبيين عاش في المنطقة خليط من الأوروبيين والسكان المحليين وذريتهم الممتزجة. والنقطة الجوهرية ان الأصول الوافدة لا تترك، فيما يبدو، أثرا جينيا باقيا الا حين يكون تدفقها واسعا بما يكفي. ويلاحظ هابر ان امتزاج الصليبيين بالسكان المحليين يبدو انه لم يكن واسعا بما يكفي ليترك أثرا دائما، ثم جاء التزاوج اللاحق مع حاملي الأصول المحلية ف«خفف» أصول الصليبيين حتى صارت غير قابلة للرصد. ولعل هذه الحالة، كما يرى، تفسر لماذا ظلت أصول العصر البرونزي المحلية هي الغالبة على جينات المنطقة الى اليوم، بل حتى بعد تكرر الغزوات والهجرات.
المصدر: Marc Haber, Joyce Nassar, Mohamed A. Almarri, et al. — A Genetic History of the Near East from an aDNA Time Course Sampling Eight Points in the Past 4,000 Years (Am. J. Hum. Genet. 107, 149–157, 2020; doi:10.1016/j.ajhg.2020.05.008)
الكيانات: الشرق الأدنى · بيروت · الإسكندر الأكبر · الأخمينيون · الرومان · الصليبيون · العثمانيون