سقطرى، جزيرة نائية عند مدخل خليج عدن يتكلم سكانها البالغ عددهم نحو ستين الف نسمة لغة من لغات جنوب الجزيرة العربية الحديثة، كانت تقع على طرق التجارة القديمة في المحيط الهندي — غير ان تركيبتها الجينية في العصر الوسيط ظلت بمنأى عن تلك الحركة التجارية بصورة لافتة. حلل سيراك وآخرون (2024) بيانات جينومية شاملة لتسعة وثلاثين فردا عاشوا بين نحو 650 و1750 ميلادية في ستة مواقع على الجزيرة، فتبين ان السقطريين الوسيطين اشتقوا نحو 86% من اصولهم الوراثية من مصدر حضرمي شبيه بسكان حضرموت اليوم، فيما جاء نحو 14% المتبقية من مصدر وراثي مرتبط بايران والزاغروس القديمة، يشمل ما يصل الى 2% من شبه القارة الهندية — ربما انعكاسا لتبادلات جينية رافقت التجارة الموثقة اثريا مع تلك المناطق. والاكثر لفتا للنظر ان السقطريين الوسيطين لم يُظهروا اي تهجين جيني من افريقيا جنوب الصحراء يعود الى العصر الهولوسيني — اذ تتداخل نسب الاصول الافريقية مع الصفر احصائيا — مما يجعلهم السكان الوحيدين في شبه الجزيرة العربية الذين رُصدت جيناتهم دون هذا الاثر، على الرغم من ان غزو الاكسوميين (مملكة اثيوبية قديمة) للجزيرة موثق مباشرة بنقوش في كهف هوق. وقد صمدت هذه التركيبة الجينية على مدى نحو الف عام رغم ما تشهد به نقوش هندية واثيوبية ورومانية مصرية وتدمرية في الكهف ذاته من تنوع الزوار الوافدين؛ وهذا يتسق مع التراث الشفهي السقطري الذي يصف هضاب الداخل ملجأ من التجار الاجانب. كذلك يتميز الرصيد الوراثي العميق لسقطرى وحضرموت عن سائر سكان الجزيرة العربية: فهم يحملون نسبة اعلى من اصول الصيادين والجامعين الشاميين في اواخر البليستوسين — يمثلهم النطوفيون — ونسبة اقل من اصول المزارعين الشاميين في مطلع الهولوسين، وهو اقوى دليل حتى الان على ان استبدال السكان بين البليستوسين والهولوسين لم يكن تاما في كل انحاء شبه الجزيرة العربية. اخيرا، مارس السقطريون في العصر الوسيط زواج ابناء العم والعمة بوتيرة اقل بكثير مما هو عليه الحال عند السقطريين المعاصرين، مما يشير الى تحول ثقافي حديث نسبيا قد يعكس انتشار تفضيل زواج الاقارب في العالم الاسلامي منذ العصر الوسيط فصاعدا.


المصدر: authors: Kendra Sirak (et al.)

الكيانات: حضرموت · الشام · جزيرة العرب · اليمن · القرن الافريقي