يقرأ ستيفن جد دفاع الوليد بن يزيد عن نفسه باعتباره مشروعا عقديا متماسكا، لا فلتات ماجن. فعلى فراش الموت استحضر الوليد ضمنا آدم وداود — خليفتي القرآن المثاليين — دفاعا عن ذنوبه: فالله منح آدم وداود سلطانا على خلقه، ولم يسحب منهما هذا التكليف رغم ما اقترفاه من «معاص جسام»، وهي ولا شك أفدح من شرب الوليد للخمر ومعاشرته النساء. فخلفاء القرآن، «يمكن القول إنهم مذنبون»، احتفظوا مع ذلك بسلطتهم وببركة الله عليهم، بل إن جماعاتهم بقيت وازدهرت تحت حكمهم؛ وعلى هذا المنطق، لا يحق لخصوم الوليد أن يحاكموه إلى معيار أعلى. والمقدمة العقدية صريحة: منصب الخليفة تكليف من الله، وتقوى صاحبه الشخصية لا تنقض ما عقده الله من تعيين.
غير أن لقب «خليفة الله» إنما يقرر السلطة الزمنية فحسب، وللوليد شطر آخر من عقيدته أشد جرأة: إصراره على وصف نفسه بـ«الناصح»، لقب لم يدعه أي خليفة أموي سواه، ولم يتبنه أي خليفة لاحق. والناصح في القرآن نذير يبعث إلى قوم يجر رفضهم عليهم هلاك الله؛ تصف سورة الأعراف هودا وصالحا بأنهما ناصحان، فهود يعظ عادا وصالح ينذر ثمود، وكلا القومين رد النصح فأهلك، ولم ينج إلا الناصح ومن آمن معه. وبتقمص هذا الدور كان الوليد، على قراءة جد، يدعي لنفسه سلطة «شبه نبوية»، وينذر رعيته بأن مخالفته تستجلب عليهم عذابا أخرويا على شاكلة ما حل بعاد وثمود. وأبلغ مثال على ذلك أبيات أنشدها قبيل خروجه إلى البخراء ليلقى حتفه بنفسه: فهو حين اختار أن يحسر عن رأسه ويواجه أعداءه إنما كان، بحسب جد، يماهي نفسه بهود الذي ثبت مع من رفضوه، لا بصالح وشعيب اللذين أعرضا عمن نبذوهما. والوليد، في قراءة جد، لم يكن «ماجنا تافها» بقدر ما كان «مفكرا دينيا مدققا» ذا معرفة وثيقة بالقرآن، يوظف خلفاءه المثاليين أنفسهم في وجه متهميه.
المصدر: Steven Judd — Reinterpreting al-Walīd b. Yazīd, Journal of the American Oriental Society 128.3 (2008), pp. 439–458
الكيانات: الوليد بن يزيد · آدم · داود · هود · صالح · شعيب · نوح · عاد · ثمود · البخراء · الأمويون