يرى جون ميلوي ان من ابرز اثار هيمنة القاهرة على مكة في الشان العلمي: استتباع المماليك للنخبة القضائية السنية المكية، فادمجوها في جهاز دولتهم. كان القضاة السنة في مكة «نخبة اجتماعية محلية متميزة واضحة المعالم»، تربط بينهم القرابة والمصاهرة والتعليم والتدريب القضائي، ولدوا ونشأوا في الحجاز، غير انهم كانوا واسعي الاسفار بفضل تعليمهم المنفتح على الافاق. ولما استاثر الناصر محمد بتعيين قضاة مكة، لم يضم الى جهاز دولته افرادا من ذوي الجاه ممن تتسق اعمالهم مع مصالحه فحسب، بل ادمج ايضا في دولته نخبة اجتماعية اقليمية باكملها من خلال احتكارهم الفقه السني، وهذا هو ما يسميه ميلوي «استتباع شريحة نخبوية من اهل مكة».

اما اثر الرسوليين اليمنيين في علم مكة قبل ذلك فكان ملموسا: ثلاث مدارس بناها سلاطين بني رسول، وهي المنصورية (تاسست 641هـ/1243-1244م) والمجاهدية (تاسست 739هـ/1338-1339م) والافضلية (تاسست 768هـ/1366-1367م)، احتضنت كراسي تدريس شافعية بارزة شغلها كمال الدين ابو الفضل محمد الطبري في ان واحد. لكن ميلوي يلاحظ ان هذه المدارس صارت في زمنه «ربما اخر معاقل النفوذ اليمني المتبقية في مكة»، وحتى في هذه المعاقل كان النفوذ يجري عبر وكلاء تجاريين موالين للقاهرة: فحين منع كمال الدين زكي الدين الخروبي، التاجر الكارمي ووكيل سلطان مصر التجاري، من تبليط صحن المسجد الحرام بحجة ان السلطة في ذلك لسلطان مصر وحده، استعان الخروبي بصلاته بالسلطان الرسولي الافضل العباس (حكم 764-778هـ/1363-1377م) حتى عُزل كمال الدين من المشيخات الثلاث جميعا. من: جون ميلوي، «قضاة مكة وهيمنة المماليك» (2020).


المصدر: John L. Meloy — The Judges of Mecca and Mamluk Hegemony (Brill, 2020; chapter 7 of an edited volume; DOI 10.1163/9789004431317_009) — pp. 291–292

الكيانات: جون ميلوي · القاهرة · مكة · المماليك · الناصر محمد · الحجاز