شرق مصر، وقبل ذلك بثلاثة قرون، عاشت الخلافة تجربة مشابهة لكن معكوسة في بغداد. فمنذ منتصف القرن الخامس الهجري صار الخليفة العباسي يستقبل كل سلطان سلجوقي جديد بنفسه، ويسلمه وثيقة مكتوبة تسمى «العهد». وهي صيغة تعامل السلطان فيها شكليا بوصفه موظفا تابعا للخليفة.
وكان اول من نال مثل هذه الوثيقة طغرل بك سنة 449هـ/1058م، بعد ان انتظر ثلاثة عشر شهرا حتى اذن له القائم بأمر الله بالمثول بين يديه.
غير ان الذي كان يحفظ هذه الصيغة الشكلية ليس ما تنص عليه الوثيقة، بل ما تسكت عنه. فقد ورث الخليفة عن ايام البويهيين بندا غير مكتوب يمنعه من تجنيد جيش خاص به. وبهذا البند صار يعتمد عسكريا على السلاجقة، ويدفع لهم اجرا مقابل خدماتهم.
وتذهب فانيسا فان رنترغم، في فصلها ضمن «السلاجقة: السياسة والمجتمع والثقافة»، الى ان هذه العلاقة تعاقدية في جوهرها. حفظ بنودها المكتوب هيبة الخليفة العباسي، لكنه حفظها تحديدا بترك الا تكافؤ ضمنيا غير مصرح به.
ولم تخرج الخلافة من هذا الوضع دفعة واحدة، بل على مراحل كالتالي: جنّد المسترشد بالله سنة 516هـ/1123م اول جيش عباسي منذ سقوط البويهيين. وكان المستظهر بالله اول خليفة يوقف الخطبة للسلاجقة في بغداد، وان كان ذلك مؤقتا فحسب. ثم طرد جند المستضيء بأمر الله اخر الجيوش السلجوقية من العراق سنة 572هـ/1176م. واخيرا قتل الناصر لدين الله اخر سلاطين السلاجقة، طغرل الثالث، سنة 590هـ/1194م.
وبعد ذلك حكم العباسيون العراق اربعا وستين سنة خلافة سيدة نفسها، الى ان قدم المغول سنة 656هـ/1258م وانهوا المؤسسة الى الابد.
المصدر: Vanessa Van Renterghem — “Controlling and developing Baghdad: caliphs, sultans and the balance of power in the Abbasid capital (mid-5th/11th to late 6th/12th centuries)” in The Seljuqs: Politics, Society and Culture, ed. Christian Lange (Edinburgh University Press, 2011), pp. 117–138
الكيانات: العباسيون · السلاجقة · بغداد · البويهيون · طغرل بك · فانيسا فان رنترغم · العهد